Wednesday, November 08, 2006

في رثاء آخر بقعة ناعمة

ضقت ذرعا بتلك الخشونة التي تغطي جسمي. صرت كلما وضعت يدا على يد جرحت كل يد الأخرى. أشعر إن جسمي مصنوع من الليف، كعرائس القش، كلما مسسته وخزك القش. أمسك صدري بقوة وأصغطه فأحس الجفاف وقسوة حشو الليف. أطلب من طبيب الأمراض الجلدية أن يصف لي علاجات منعمة للبشرة، فتنفرج أساريره لحمى التجميل السارية بين الناس والتي وسعت رزقه دون أن تزيد من جهده. في الصيدلية أشتري المرطبات وأضع فيها جسدي كله، أفركها بقوة حتى يمتصها الجلد إلى آخر الحشى، فتجف ولا يبقى إلا الليف الخشن. أشتري أخرى وأخرى، أخلطها ببعضها وأحاول مرة أخرى، أدلك ثدييَ بالمرطبات حتى ينجرحان فلا يخرج دم، إنما تبرز حواف القش! أخفي جسمي كله وأخشى أن يمسني أحد فيكتشف إن جلدي كله خشن جدا وإن جسمي مليء بالليف والقش. أحاول أن أتذكر ما حدث فحولني لتلك الكائنة القشية فلا أذكر، أحاول بكل قوة أن أتذكر كيف كان شعور الجلد الناعم فلا أذكر.. ماذا سأفعل الآن؟ فحتى لو عاد إحساس بشرتي ناعما فلن أعرف، لقد نسيت! أتفرج على قنوات الإعلان التي يتحدث فيها الناس عن منتوجات تنعم الجلد، لأسمع النساء يصفن الجلد الناعم علني أتذكر أو أتعلم من جديد!

أبحث في الكتب القديمة وفي وصفات الجدات، أخلط زيوتا من المطبخ وأعشابا ونباتات. يوصون بتدفئة الجسم ثم وضعها ثم تدفئته ثانية لنعومة الأميرات. أجزم إنني سأنتصر هذه المرة، ألف جسمي كله وأنتظر. أغسله تحت الماء بعدها فأجد القش في مكانه، وقد صار زلقا بفعل الدهون. تتبقع الثياب ولا يلين القش.

أغطي جسمي أكثر ولا أصافح أحدا يدا بيد. أغطي كفي طوال الليل في قفاز مغطى بالمرطبات فأحصل على قش ناعم بعض الشيء في الصباح يسمح لي أن أخفي عن الناس حقيقتي الخشنة بهذا الجزء الصغير الظاهر. أنقل جهدي الآن لتنعيم القش وأنسى قصة البشرة الأصلية. أضغط ثديي بشدة كي أعيد القش من مكان جاء وأصرخ فيهما كيف سولت لهما نفسيهما خيانتي والتحول لذلك التكوين المرعب وتلك القسوة الشنيعة. ليس في الكتب علاج لثديين من القش. يزول خوفي من أن يتحرش بي أحد في الشارع معتصرا ثديي، فسيعاقبه القش!

في نوبات الغضب بعد ساعات من المحاولات والتدفئة والتغطية أرمي قوارير المرطبات والزيوت في كل مكان، ألقيها على زجاج النافذة انتقاما فتحدث شقوقا صغيرة، تصير أرضية الغرفة ناعمة لزجة ولا أنزلق عليها أنا بقدمي الخشنتين.

أسأل الناس عن طرق لتنعيم القش فيتعجبون السؤال، لماذا يريد أي أحد أن ينعم قشا؟ أنظر إلي واحدة من الفتيات الناعمات وأرغب في لمسها لعلني أتذكر الإحساس الأول، فلو تذكرته ربما عرفت كيف أصل إليه مرة أخرى. أحس إنني لو مسست بشرة إنسان ناعمة سيغمرني الإحساس ... وأموت. أصبحت أخشى أن أنام على ذراع صديقة ناعمة الجلد فيكون هلاكي. أتجنب مس أصحاب البشرة الملساء. تسند إحداهن رأسها على صدري وتنام، فأتعجب كيف تحتمل الخشونة ووخز الليف والقش، أقدر لها محبتها لي أن تحتمل ولا تشكو، في المقابل لا أشكو أنا أيضا من ضغطها على صدري الذي يرسل قسوة الوخز إلى أحشائي. أسكت وأتركها تنام.

كانت بقعة واحدة في أعماق جسدي قد بقيت ناعمة، كنت كلما يئست أعود إليها. أملس باصبعي ذلك السنتيمتر المربع لأشعر بما كانت عليه الدنيا قبل أن يهاجمها الليف. حجمه أصغر من إصبعي، فحتى حين أضع أصغر إصبع عليه أشعر بكل الخشنوة التي تحيطه. أنفرد بنفسي ليال وساعات كي أمرر إصبعي فوق تلك البقعة. أغمض عيني وأتخيل تلك الرقعة الناعمة تتمدد لتغطي ذراعي، وتغطي وجهي وتغطي صدري وساقاي، لا أفتح عيني قبل أن أشبع من الخيال. أواجه الدنيا بتلك الساعات التي أنفرد فيها بنفسي وأفرد السنتيمتر المربع من الجلد الناعم على كل الجلد الخشن. قبل أيام كشفت جسمي كي أمس تلك البقعة الباقية فلم أجدها، وجدتها قد تجانست مع بيئتها المحيطة. أحكها بجنون لعل الرقعة الناعمة تبرز من تحتها، فلا أجد شيئا، كانت البقعة الوحيدة الباقية التي تنز دما لو انجرحت. صارت هي الأخرى لا تبرز جروحها إلا حواف القش! يغمرني شعور جدة مات كل أبنائها ولم يبق لها من ذكراهم إلا حفيد واحد، تغطيه وترعاه، صحت ذات يوم لتجده هو الاخر إلى جانبها وقد مات!

تمر سنواتي المغطاة بالقش الذي أخفيه عن الناس. يصطدم بي بالصدفة في سوق مزدحم. تمر يده على ذراعي بسرعة فيبتسم ابتسامة بريئة وتقول عينيه بشقاوة: "بشرتك ناعمة جدا" ... فأبكي! يعتذر مني "أوجعتك؟" ظانا إن خشونة يديه الذكورية جرحت بشرتي الأنثوية الناعمة ويمضي دون أن يخمن لماذا بكيت!

15 comments:

عمر said...

العزيزة زبيدة،

أولا مساء الخير! ثانيا استمتعت بقراءة تلك التدوينة للغاية. استمتاعي بالتفاصيل الصغيرة العميقة كان مدهشا لحد الصدمة، ذلك لأنك استطعتي أن تعبري بالكلمات عن صراع أظنني مررت به عدة مرات ولكن لا أعرف متي. فما أهمية تفاصيل حياتي أو حياتك الواقعية طالما نجحت في أن تنقلي لي ما هو أعمق من خلال الكلمات؟

لا أعرف الكثير عن الأدب، لكن طني أن تلك هي أرفع درجاته! تحياتي وتمنياتي بالتوفيق

Aoossa said...

البوست رائع لدرجة أنى مش لاقيه كلام
تخيلت جسمى تحول من النعومه الى الخشونه
فشعرت بالليف وبروز القش من بين ثنايا جسدى
هل هذا من فعل السنين المتراكمه فوق أنفاسنا فتجعلنا نتنفس فى أختناق
البوست ده أقوى من أنى أعلق عليه
زبيده أنت فنانه

الغـــــــــــــريب said...

زبيده الرائعه

كثيرآ ماشعرت بأختلافى عن الناس أو شعرة برغبه ملحه فى ألأختباء عن عيون الجميع
ربما السر فى القش الذى يملأ جسدى
وفى تغير ملامحى عن الأخرين

مودتى يا جميلة

دماغ ماك said...

زوروني عندي حاجة مهمة
demaghmak.blogspot.com

lastknight said...

لدلتنى على مدونتك صديقه عزيزه و مدونه جديده .. فعلا على أن أشكرها أولا .. قبل أن اشكرك على الأحشاش العميق الذى وصلنى من موضوعاتك كلها
سيدتى .. ألا ترين أن علاج الخشونه التى تشعرى بها قد جاء فى نهاية الموضوع و بالصدفه البحته دون مراهم أو وصفات ؟ فقط رجل مهذب اصتدم بك بالصدفه .. و ألقى على أذنيك و روحك كلمه رقيقه .. أو تلك الصديقه القريبه التى أمنت و نامت على صدرك .ز مستشعره نعومة أنسانيتك قبل خشونة بشرتك ؟
عن نفسى .ز أرى بعد أحساسك العميق .ز أنك أنسانه شديدة النعومه .. بغض النظر عن رأيك و رأى طبيب الأمراض الجلديه

Anonymous said...

hi, wenn es soweit geht dann bin ich erschrocken , wie Du den Situation unsere Geselschaft ereicht hat, es ist bedauerlich das wir in der lage genau wie einengestorbene Haut gestorbene gefühle keine mitmenchen
ich gratuliere Dir Zinab
MFG
Nagdi

linalone said...

صراحة تامة، تعجبني جدا!

أبوفارس said...

مهنتى كصيدلى غلبت حتى هممت أن أصف لك بعض الكريمات المرطبه ثم غبت فى أحاسيس عميقه...أما أنا فكأنى قتفد أشواكى تجرح كل من أترب منه أو يغامر باﻷلتصاق بى فحكم على بالبقاء وحيدا فى برد الحياه

أبوفارس said...

مهنتى كصيدلى غلبت حتى هممت أن أصف لك بعض الكريمات المرطبه ثم غبت فى أحاسيس عميقه...أما أنا فكأنى قنفد أشواكى تجرح كل من أقترب منه أو يغامر باﻷلتصاق بى فحكم على بالبقاء وحيدا فى برد الحياه

L'orientale said...

زبيدة الرائعة، احسدك ان بكيت، فما البكاء إلا من شيم المرأة ذات الأنوثة والرقة...
أما الخشونة...فبالنسبة لي هى وسام آخر على صدر المرأة... فلنا الله جميعا

cat_eyes said...

لاول مره اشعر بتلك الاحساس عند قراتى لكلماتك
لاول مرة اسمع صوتً حثيثاً ينم عن ضعف ووحده
لقلبك الذى اتعبته الوحده ةجسدك الذى ذاق مراره الهجر
كلمات اضناها الحزن والظلم
الآن فهمت ان غلاف الجرأه والسخريه حملو فى طياتهم ضعفا وحزنا وأهات
لك قلبا ملئتهو اعشاش العصافير فملئتهو قشاً لا خشونه بل ازداد رقه وحنوأ
لاول مره احسك

Diyaa' said...
This comment has been removed by a blog administrator.
Diyaa' said...

خدعتيني في الأول بكلامك عن البشرة وقلت مش معقول ..
دلوقتي اتأكدت أنك بتفهمي أوي
عموما بتمني أنك متبكيش تاني
و البقعة دي ترجع تاني
تحياتي

Anonymous said...

3azizzati zebbedah ,,, mawdou3ek ra2e3 wa ramzi wa bemma 2ana "alma3na fi batn alsha3er " ..2ezzan men 7aq kolen mena 2an yafham alramz bemafhoumo alkhas ,,, we robama yakoun kollon mena yafhamaho bemafhoum yammes tagroba khassah bihi la2en kalamek lamas mantteqa fi qalbo laha 3ellaqah bemafhoumo 3an nafsso wa layssa 3annek ,,,fi nazari 2anaki tash3orrin bettariqa aw be2okhrah 2anaho tougad ashia thamina mattatat aw wo2eddat 7ayah bedakhelek ,,wa tash3orina anaki konti akthar reqqah men qabl wa kana 2e7ssassek morhaf wa lessabab 2aw le2akhar tagamadat masha3erek we estaal2omour 3endek ,,wa haza beltab3 laytha sa7i7 la2enaki law konti khashenat almasha3er lama 2estash3arti ahameyat wa gammal alnou3oumah,, wa a3ttaqed 2an sabab boka2ek fi nehayet almawdou3 3endama lamassaki alragol algharib wa 2ashad beno3oumatek ,,,anaki 7adathti nafssek ka2ela" enaho yoshid beno3oumati ba3dama matat wa ba3d 2an dafantaha monzou zaman ,,,fa kayfa kana sayakoun rad fe3lo law kan lamassaha wa heya fi 2awg no3oumateha" ...wa bakayti wa 2abkaytini gami3an ya na3eeeeeeeeeeeema. sherry bahi

واثق الخطوة said...

سماء روحي
منتديات سماء روحي
منتديات
خواطر
البرامج