Monday, October 02, 2006

بيسو وواحدة وحاجات تانية


لازال عندي أمل أن تنتظم دورة حياتي: أستيقظ وأنام بمواعيد ويصبح من السهل عليَ أن أتوقع ما سأفعله في الغد وأضمن إنني لن أستيقظ وساقي ثقيلة كالرصاص ودماغي متوقف عن العمل وملتصق بالوسادة وأحتاج لأستريح من النوم نفسه. أحاول منذ قرأت ما كتبه أحمد هنا أن أجلس بجدية لأفكر في الموضوع وأكتب، فتمر أيام وأفكر أحيانا ولا أكتب وها أنا أتشعب إلى موضوعات جانبية وقد أنسى ما خرجت لأجله.

ما علينا

في الفترة الأخيرة لأسباب اعترضت طريقي بمحض الصدفة الكونية التي ليست بصدفة على الإطلاق كنت أفكر أثناء المسافات الطويلة في الجنس والنوع والجنس الاجتماعي والتشريح، ووجدت كل النهايات مفتوحة بدون أي تأكيدات معرفية. أي إنني لا أفهم. وكنتيجة لإنني كنت أفكر كثيرا دون أن أصل لنهايات أو أشباه نهايات فقد اندهشت كيف إن الواحد أو الواحدة منا يواجه منذ الصغر بكم هائل من الحقائق المطلقة والتأكيدات الخاصة بجنسه وتشريحه وما يجب ولا يجب أن تحس به. يظن المرء أن الجنس والنوع والمشاعر المتعلقة بهما وأخلاقياتهم هو موضوع في غاية السهولة، شكة دبوس. أشعر هذه الأيام إنني أتحول إلى عذراء مرة أخرى، لأن فكرة ما عن العذرية كانت تتملكني منذ صغري، إنها حالة عدم فهم الشعور، فالطفل قد يحس الأورجازم بل ويغتصب دون أن يفقد عذريته، فالعذرية هي الجهل بالشعور وعدم فهمه، وهذا هو الشعور الذي يتملكني هذه الأيام بشأن الجنس كله.

أثناء تلك الفترة قرأت ما كتبه أحمد وظهرت "واحدة" – يا أهلا وسهلا.

يا بيسو أعجبني فيما كتبته فكرة عدم وجود حدود حادة جنسية فاصلة مثل ما كان الإنسان يظن بالأساس. التأكيد على فكرة إن البشر لا ينتمون لنوعين محددي الشكل والشعور والميول الجنسية وإن الإنسان طبيعة أكبر من أن يحدده شكل جسده أو الأشكال الاجتماعية المفروضة.

مرورا بمسألة النسوية وعضوات الحركة النسائية التي خصصتني وواحدة فيها في الحديث، فقد قرأت ما كتبته واحدة أكثر من مرة.

الحديث عن النسوية أو الحركة النسائية أو غيرها من الأسماء محير بالنسبة لي لا أنكر. ربما لإني شخصيا لم أنتم يوما لأي من الاتجاهات الرسمية المشجعة لتحرر المرأة أو ما شابهها من الأسماء، لذلك فمصطلحات مثل الحركة النسوية والجنس الاجتماعي جديدة نسبيا بالنسبة لي، عرفتها متأخرا بعد أن كانت أفكار كثيرة قد تكونت فعلا. ربما كان ذلك ما جعل قراءتها مسلية، خاصة كلما تقدمت في العمر. لهذا السبب لن أتحدث إلا برأيي الشخص، وما أعنيه أنا سواء على هذه المدونة أو في حياتي بشكل عام، وأرى إن موضوع مثل النسوية يشبه الدين بعض الشيء، كل منا يراه بشكل، وصعب أن يوضع كله في سلة واحدة، خاصة مع الاستعمال المبتذل للكلمة، كل يستعملها لشأنه الخاص بداية من صافي ناز كاظم (الموجودة في قائمة علاء لمن سيزورهم بالبازوكا بعد أن يصل للحكم – عن استحقاق) ومن شابهها من أخواتنا وحتى نوال السعداوي ومن يسيرون على نهجها مرورا بكل أشكال الطيف.

أفهم تعاطفك يا أحمد مع الأهداف، وقد أثار ما قلته عن التعاطف بالذات أفكارا خاصة لأسباب متسلسلة لن أتعبك بذكرها. فكرة المساواة أقلقتني منذ الطفولة بسبب انشغالي بفكرة أخرى هي: "العدالة". يصعب على من يؤمنون بأهمية العدالة في استقامة الحياة ألا يؤمنوا بفكرة المساواة ويصعب على من يعتمدون الاستنتاج الرياضي ألا يصلوا لمنطقية فكرة المساواة بين البشر. لهذا السبب قد تتعاطف دون حتى أن تفهم أو تهتم بتعقيدات الرحلة: بمعنى أن يصبح الإيمان بالمساواة - بين أيا كان من البشر - أساسا يبنى عليه ما يمكن الوصول إليه بعدها وليس الممكن هو محدد درجة المساواة.

بشكل شخصي أرى إن حركة تحرر المرأة هي حركة تفكيك وليست حركة قطعنة وهذا خلاف أساسي لي مع تدوينتك يا بيسو: بمعنى إن تحرير الإنسان هو عتقه من حتمية الانتماء لقطيع معين، وليس إعادة تقسيم الدنيا لقطيع ذكوري وقطيع من الإناث في معركة أو محاولة لانتزاع مساحات من الآخر، إنما تحرير الفرد، ثم الفرد ثم الفرد. أنا من غير المؤمنين بالجماعة. أن تتحرر المرأة أو الرجل في رأيي هو أن تنفك ربقة المبادئ والأخلاق الموروثة وأن تختار ما تنتمي إليه وما تعيشه بنفسها وأن يتحول المجتمع إلى مكان للنمو المبدع للفرد وليس مجال قمع أي ما يخرج عن المألوف.

وعليه أيضا فأنا أختلف مع النصف الأول من هذه الفقرة في تدوينة واحدة وأتفق تماماً مع النصف الآخر:

المرأة بتجيلها الدورة الشهرية مرة في الشهر او كل 28 يوم. كلنا نعرف هذا. جسمها يظل في تحول مستمر طوال شهر كامل مابين دورة وأخرى بشكل انت مستحيل تفهمه لإنك لم ولن تعيش تجربة مشابهة له ابدا في حياتك. مزاجها يتغير. رائحتها وشكل جسمها واحساسها به يتغير. هذه حالة هي تعيشها 24 ساعة في اليوم لمدة 12 شهر. تجربة الحمل الثقيلة جدا, الولادة, الإرضاع, وياسلام لو اجهاض. الذكر له اورجازم واحد بينما الأنثى تتعدد اشكال الأورجازم عندها. كل هذا بلإضافة لتجربة وجودها في مجتمع ما, تحكمه قوانين وأعراف تضطهدها كأنثى, يخلق تمايز ما بين تجربتها وتجربة الذكر. الكنيسة التي تتعامل مع النساء بإعتبارهن درجة أدنى لإن المرأة من نسل حواء اللي هببت آدم من الجنة, الثقافة الإسلامية اللي مابتفرقش مابين دعاء الزواج ودعاء شراء عبد أو دابة, التوراة اللي بتشوف المرأة كائن نجس. كل هذا القمع والتعالي, بكل تداعياته على سلوك البشر, يخلق بالرغم منك ومني, تجربة "عامة" للنساء. حتى بإختلاف اوضاعهم العمرية أو الطبقية او إختلاف أشكال "مهابلهم".

شعرت بدغدغة فكرية لطيفة حين قرأت هذه القطعة

سبب "الزغزغة" هو إنني شعرت بإنني أختلف معها – لا تهملوا الفعل "شعرت" – وشعرت أيضا إنني أتفق معها، فجزء مني لا يؤمن بتفرد خبرة المرأة لإنها امرأة أو تفرد خبرة الرجل لإنه رجل، فأنا لا أؤمن مثلا بسيطرة دورة الهرمونات على حياة المرأة، مثلما لا أؤمن بمن يحملون الرجل مسؤولية العنف لإنهم حين يحقنون الفئران بالتستوستيرون يجدونها أكثر ميلا للعنف والدموية. أنا لا أؤمن بدور الكيمياء في حياة البشري إلا في حدود معينة ربما كتبت عنها لاحقا. هناك إحساسات خاصة يختبرها كل جنس وحده فحسب؟ أكيد، إلا إن حجمها أقل جدا من أن يصبح مكون مهم للحياة.

مثلما أختلف مع جمل من نوع: "الأنثى المقدسة" إلا في سياق أدبي مثلا من نوع قدسية الإنسان نفسه وجسده وإبداعه، أما من يظن إن جسد المرأة به من العبقرية ما يجعله متفوق عن جسد الرجل وبالتالي يجعلها إنسانا أكثر تفوقا فهو استبدال لتمييز بتمييز آخر ودعوة ساذجة لسباق محموم ليس فيه من مكسب أو خسارة إنما لهاث مستمر واحتقار مستمر من الطرفين، لأن الجسد بالأساس ليس محور الإنسانية، وقدرة المرأة على الإنجاب مثلا لا فضل لها فيها ولا تعني تفوقا انسانيا، ألم تنجب النساء للموت قطعانا وراء قطعان؟ قد تكون فكرة الإنجاب بالنسبة للإنسان الأول فكرة مدهشة ومبهرة، إلا إنها لابد أن تكون في حجمها بالنسبة للإنسان الذي تعرف أكثر على عمق خبرة الحياة.

لأوضح رأيي أكثر: معظم الخبرات الخاصة – أو التي توصف بإنها خاصة – مثل ما كتب هنا، تنبع خصوصيته من وصفه الاجتماعي، فأهمية أن تختبر المرأة الحيض على إنه دليل صحة وشعور حياتي طبيعي مصدره القلق التاريخي من دورة المرأة الطبيعية وإحاطتها في الجوامع والكنائس والنواصي والحمامات بطقوس خاصة ومحظورات تحولها عن طبيعتها وتجعل اختبارها بشكل تجريدي ككجزء من الحياة تجربة جديرة بالعيش. أما دور تغير الهرمونات في دورة مستمرة فلا أراه ولا أحسه ولا أفهمه، لأن أجسادنا بالطبيعة تعيش في دورات ولا نشعر بها، عشرات الهرمونات التي اكتشفناها والتي لم نكتشفها تسعى في الجسد الإنساني في دورة يومية أو أكثر من يومية، مثل هرمونات النوم واليقظة ، الجسم أذكى من أن يعيش مقلقل، وفكرة الدورة القمرية لطيفة أدبيا، وفيها تواصل مع الكون يساعد على اختبار أحاسيس عميقة، ولكنها أبعد من أن تكون – في رأيي - مكون أساسي يلون المرأة ويجعل لها خبرة خاصة ثقيلة لا يستطيع الذكر اختبارها. فليعش كل إنسان خبرته الفردية، ولكن لا أظن إن طبيعية بيولوجية خاصة لدى المرأة والرجل تضع خبرة لها ثقلها على حياتهم بسبب الفزيولوجيا وحدها. لا أقول لا تضع خبرة إطلاقا، إنما أقول إنها ليست بالخبرة الثقيلة – بشكل تجريدي. معذرة إن أوضحت هذه النقطة أكثر: المرأة لابد أن تختبر الكثير الآن كامرأة بسبب إعاقة المجتمع والتربية للانسياب الطبيعي لعلاقتها بجسدها ونفسها كإنسانة، أما فور أن ينتهي ذلك الاختبار وتتم معادلة التأثيرات الاجتماعية، تنتهي الحاجة لتلك الخبرة. هدف الخبرة الخاصة في هذه الحالة هو التحرر من المعوقات.

لأضرب مثلاً من مدونة واحدة ومدونتي: كلتانا أنت وأنا كتبنا عن خبرة خاصة بشأن مشدات الصدر هنا وهنا. قال لي عدد من الأصدقاء إنهم ما كانوا يظنون المسألة محورية وأساسية بهذا الشكل وتشكل كل هذه المشكلات، وأنا أصدقهم: لابد أن تكون امرأة لتشعر بذلك، وتحول جزء من الجسد لمشكلة معقدة تستدعي التعامل الدقيق اليومي ومحاولة التحرر من تلك القيود هي خبرة خاصة سببها ليس امتلاك المرأة لثديين: إنما سببها تعقد العلاقة بجسد المرأة وفظاعة تعامل المجتمع معها كهم لابد من التخلص منه. ما كتبته هنا عن الحيض ما كان ليصبح خبرة خاصة لولا كل ما يحيط بكل ما يخرج عبر رحم المرأة من جسدها بصفات النجاسة والقذارة والمرض، ولو لم تكن ورائي خبرة حزينة يحكمها الآباء والأمهات ورجال الدين لربما كان الاحتياج لخبرة مثل تلك قد انعدم تقريبا.

كما أن لي أملا خاصا، وربما كان رأيا في الحياة عاشتها امرأة. إن تكثيف جهود النفس كلها للنيل من المجتمع الذي بالتأكيد ظلم المرأة – وأقصد المجتمع الإنساني – هو مضيعة للحياة، أنا أرى المجهودات التي تبذلها المرأة مع نفسها أو تلك التي يبذلها الآخرون مع النساء تسير في طريقها الصحيح حين ينظر إليها كطريق لمناخ يهيئ أن يتخلص إنسان هو بالصدفة امرأة من معوقات أن يختبر الحياة ويعيشها وتفتح أمامه كل خبراتها بكاملها. الحرية وسيلة الاختبار الكامل للحياة، بدون شروط مسبقة.

أشعر إن هذه التدوينة متخبطة بعد الشيء، أتمنى أن يكون المعنى الذي أردته قد اتضح.

أهلا بك يا واحدة وبحاجاتك التانية التي هي أكيد غير الحاجات الأولانية، فما أندر الأصوات المختلفة التي تتكلم عن الحاجات التانية.





10 comments:

Alaa said...

و ان كنت مختلف شوية على حتة الفرد ثم الفرد و التخوف من التكتلات و المجتمع لكن الله ينور قلتي بقالي سنين بحاول أقوله و مش عارف لا أتربه في دماغي ولا أصيغه

ملك said...

الصراحة مش عارف اقولك ايه غير التعليق المعتاد الله ينور
بس انت عارفة المشكلة اللى بتقابلنى انا شخصياً فى موضوع اختبار الحرية بلا شروط ده ان ساعات كتير الشروط و القواعد مش بتبقى مفروضة عليكى انت اللى بتفرضيها على نفسك يمكن علشان حاجات كتير الدين او الحب أو الخوف أو اى حاجة تانية مش مفهومة
بس صحيح فى النهاية السؤال بيفضل هيه الحاجات ده تستاهل انى احجم من حريتى علشانها ولا لأ

Anonymous said...

im MAK

انا كنت برضه اعرف ان الحمالات مشكلة

ليكوا بس مش للدرجة دي انت كتابتك خلتني بجد احس بمعانتكم
المضوع بقى الاساسي انا مافهمتش انت عايزة توصلي ايه لينا ..ممكن علشان دي اول مرة ليا هنا فا لسة متعودتش على كتابتك..
فا ياريت تردي عليا توضحيلي بس ايه هي الفكرة الاساسية علشان انا حسيت انها مجموعة ردود و مقدرتش امسك الفكرة الاساسية
انا بقالي 3 ايام بدخل مدونتك و بصراحة اخيرا لقيت بنت بتتكلم في موضوع الجنس دة بعقلانية و بطريق عايزة توصل بيها لحل مش كلام و خلاص
هاستنى ردك

الغـــــــــــــريب said...

لا أعتقد بوجود تخبط فى حديثك
بل أستطعت بلورة فكرتك بشكل جيد
جملة أن الحريه هى الأسلوب الأمثل لأختبار الحياه واقعيه جدآ فبدون الحريه تتحول حياتنا لمجموعه من تجارب الغير الحياتيه
فقط أرى أن للعمل الجماعى دور هام
فالأفكار الفرديه والأبداع لفردى
لا تصنع مجتمع قوى
أجتماع أفراد داخل جماعه ما مع أختلاف أفكارهم و توجهاتهم الفرديه وتجربتهم الحياتيه بيتيح فرصه أفضل للحياة
تحياتى

أحمد said...

أنا مستمتع جدا
نعود إليكم بعد الفاصل للتعقيب

الحكائين said...

مش معقولة، كل مرة أقرأ حاجة من كلامك ابقى مشتاق أقعد معاكي و أنهل أكثر من متعة الاستماع لعقل مؤنث ينظر و يتحدث بهذه الطريقة، لست اقصد أكثر من إبداء إعجابي بانتاجك

demaghmak said...

يا ست زبيدة...باستأذنك اعمل لنك للحرملك في المدونة بتاعتي لو تسمحي
شكرا
http://demaghmak.blogspot.com/

ikhnaton2 said...

رغم أن تدوينتك تطرح الكثير من الأفكار ما بين الفردية التفككية والجماعية المقطعنة وبين تأثير دورة الكيمياء فى دورة حياتنا لكن ما شد إنتباهى بالأكثر هذه الجملة: "لأن الجسد بالأساس ليس محور الإنسانية" ربما لأن مساحة الجسد فى حياة الانسان تشغلنى منذ فترة.

ليس لدى أجوبة ولا اتفاق أو اختلاف، بل تساؤلات تدور فى رأسى بدون توقف: هل الاعتراف بمحورية الجسد دونية حيوانية؟ هل الاعتراف والاستمتاع بلذة أو شهوة منبعها الجسد لا تسمو لمقام الاعتراف بالذات الروحية!!!

Anonymous said...

اسعدني التعرف على كتاباتك الرائعة والمعبرة

اتمنى عليك تشريف منتدى معلومة.كوم
www.m3loma.com
ببعض مما عندك لتوعية المجتمع العربي

تحياتي

عدنان

واثق الخطوة said...

سماء روحي
منتديات سماء روحي
منتديات
خواطر
البرامج
sitemap